يحيي بن حمزة العلوي اليمني
120
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
يحيف في قضائه وحكمه ، وبدر تم يتكلم بجميع الحقائق ، فيأتي بهذه الأمور عقيب ذكر الاستعارة من أجل تأكيد أمرها ، وإيضاح حالها لأنك إذا قلت رأيت أسدا ، فقد حصل مطلق الاستعارة اختصاصه بالشجاعة التي هي خاصة الأسد ، فهذه استعارة مطلقة ، ثم لما قلت على سرير ملكه ، فصلته عن حكم الآساد ، إذ ليس الجلوس على السرر من شأنها ، وإنما جيء بذلك من أجل تأكيد المستعار له ، وهذه تسمى مجردة ، وهكذا إذا قلت رأيت قمرا على فرس ، وبدر تم يتكلم ، فقد أثبت له ضوء الأقمار وتمام البدور ، ثم فصلته عما لا يليق بالأقمار والبدور بقولك على فرس ، وبقولك يتكلم ، لأنه ليس الكون على الخيل والكلام من صفة الأقمار والبدور بحال ، ولكن الغرض هو ما ذكرناه من توكيد أمر المستعار له وتوضيح حاله ، ومن النمط العالي في الاستعارة ما قاله بعض الشعراء : وصاعقة في كفه ينكفى بها * على أرؤس الأعداء خمس سحائب فلما استعار الصاعقة لنصل السيف عقبه بقوله ينكفى بها ، أي يتصل ويلابس رؤوس الأعداء خمس سحائب ، أراد بها الأصابع ، إيضاحا لأمر الصاعقة ، وتبيانا أن ما ذكره من حكم المستعار له ، وجعل قرينته دالة على ما أراده من وصف هذا الممدوح ، ومن فائق الاستعارة ورائقها قول بعضهم : ترى الثياب من الكتان يلمحها * نور من البدر أحيانا فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها * والبدر في كل وقت طالع فيها فلما استعار ذكر القمر ، عقبه بذكر المعاجر وأنه يبليها بطلوعه فيها كل وقت ، وذكره من أجل إيضاح أمر المستعار له ، وبيان حقيقته . وأما الاستعارة الخيالية الوهمية ، لهى أن تستعير لفظا دالا على حقيقة خيالية تقدرها في الوهم ، ثم تردفها بذكر المستعار له ، إيضاحا لها وتعريفا لحالها كما قال بعضهم : وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع وقد يجتمع التجريد والتوشيح في الاستعارة كما قال زهير : لدى أسد شاكي السلاح مقذف * له لبد أظفاره لم تقلم فلما صوره بصورة الأسد جرد الاستعارة بأن عقبه بكونه حديد الشوكة في سلاحه ، تقريرا لحال الاستعارة ، وتوكيدا لأمرها ، ثم وشحها بقوله : « له لبد أظفاره لم تقلم » وكما لو قال في هذا « رأيت أسدا دامى الأنياب وافر البراثن » لكان من باب الاستعارة الموشحة ،